إخوان الصفاء
184
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
روحاني ، وهي حية بذاتها ، غير محتاجة إلى الأكل والشرب واللباس والمسكن وما شاكل ذلك مما يحتاج إليه الجسد في قوام وجوده ومادة بقائه ، وأن كل ما يحتاج إليه الإنسان من أعراض هذه الدنيا إنما هو من أجل هذا الجسد المستحيل الفاسد ، ولإصلاحه وقوامه وجرّ المنفعة إليه ودفع المضرّة عنه الذي لا يثبت على حال واحدة طرفة عين ، وأن النفس ما دامت مع الجسد إلى الوقت المعلوم متعوبة بكثرة همومها لإصلاح أمر هذا الجسد ، وشغلها بشدة عنايتها به فيما تتكلف من الأعمال الشاقة والصنائع المتعبة ، من اكتساب المال والمتاع والأثاث ، وما يحتاج إليه الإنسان في طول الحياة الدنيا ، وأن النفس لا راحة لها دون مفارقتها لهذا الجسد ، كما أن ذلك الرجل الحكيم المبتلى بعشق تلك المرأة الفاجرة الرّعناء لا راحة له ممن قد ابتلي بها إلّا بمفارقتها والتسلّي عنها وعن حبها وعشقها . فصل في مهنة النفوس وإخراجها من عالم الأرواح لجناية كانت منها اعلم أيها الأخ أن النفس الجزئية لما أهبطت من عالمها الروحاني ، وأسقطت من مرتبتها العالية للجناية ، وغرقت في بحر الهيولى ، وغاصت في قعر أمواج الأجسام وقيل لها : « انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب » فغرقت في هياكل الأجسام ، وتفرقت بعد وصلتها وتشتت شمل ألفتها ، كما ذكر اللّه ، عز وجل اسمه ، بقوله : « اهبطوا منها جميعا » الآية ، إلى قوله : « ومنها تخرجون » عرض لها عند ذلك من الدهشة والأهوال والمصائب مثل ما عرض لقوم من ركّاب البحر لما اشتدت بهم الريح ، واضطرب بهم البحر ، وهاجت بهم الأمواج ، وكسر بهم المركب ، وغرقوا في قعر البحار ، وغاصوا في ظلمات الماء ، وتفرقوا في كل فج عميق من الجزائر والسواحل وبطون الحيتان . فكما